الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

109

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإحاطة : مجاز في التمكن ، تشبيها لقوة تمكن الاتصاف بتمكن الجسم المحيط بما أحاط به . وقوله : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً أبلغ في ثبوت الصبر من نحو : سأصبر ، لأنه يدل على حصول صبر ظاهر لرفيقه ومتبوعه . وظاهر أن متعلق الصبر هنا هو الصبر على ما من شأنه أن يثير الجزع أو الضجر من تعب في المتابعة ، ومن مشاهدة ما لا يتحمله إدراكه ، ومن ترقب بيان الأسباب والعلل والمقاصد . ولما كان هذا الصبر الكامل يقتضي طاعة الآمر فيما يأمره به عطف عليه ما يفيد الطاعة إبلاغا في الاتسام بأكمل أحوال طالب العلم . فجملة وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً معطوفة على جملة سَتَجِدُنِي ، أو هو من عطف الفعل على الاسم المشتق عطفا على صابِراً فيؤوّل بمصدر ، أي وغير عاص . وفي هذا دليل على أن أهم ما يتسم به طالب العلم هو الصبر والطاعة للمعلم . وفي تأكيده ذلك بالتعليق على مشيئة اللّه - استعانة به وحرصا على تقدم التيسير تأدبا مع اللّه - إيذان بأن الصبر والطاعة من المتعلم الذي له شيء من العلم أعسر من صبر وطاعة المتعلم الساذج ، لأن خلو ذهنه من العلم لا يحرجه من مشاهدة الغرائب ، إذ ليس في ذهنه من المعارف ما يعارض قبولها ، فالمتعلم الذي له نصيب من العلم وجاء طالبا الكمال في علومه إذا بدا له من علوم أستاذه ما يخالف ما تقرر في علمه يبادر إلى الاعتراض والمنازعة . وذلك قد يثير النفرة بينه وبين أستاذ ، فلتجنب ذلك خشي الخضر أن يلقى من موسى هذه المعاملة فقال له : إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ، فأكد له موسى أنه يصبر ويطيع أمره إذا أمره . والتزام موسى ذلك مبني على ثقته بعصمة متبوعة لأن اللّه أخبره بأنه آتاه علما . والتاء في قوله : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي تفريع على وعد موسى إياه بأنه يجده صابرا ، ففرع على ذلك نهيه عن السؤال عن شيء مما يشاهده من تصرفاته حتى يبينه له من تلقاء نفسه . وأكد النهي بحرف التوكيد تحقيقا لحصول أكمل أحوال المتعلم مع المعلم ، لأن السؤال قد يصادف وقت اشتغال المسؤول بإكمال عمله فتضيق له نفسه ، فربما كان الجواب عنه بدون شره نفس ، وربما خالطه بعض القلق فيكون الجواب غير شاف ، فأراد الخضر أن يتولى هو بيان أعماله في الإبان الذي يراه مناسبا ليكون البيان أبسط والإقبال